logo Ministry of Foreign Affairs
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
سفارة الجزائر بجاكرتا

كلمة السيد عطاف خلال الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة التابعة للاتحاد الإفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن

كلمة السيد عطاف خلال الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة التابعة للاتحاد الإفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين

                                                                       

معالي الأخ الطاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية والتعاون الدولي بدولة ليبيا،

السيدات الفضليات، السادة الأفاضل،

 

لا يوجدُ أفضلُ ما أستهلُّ به كلمتي هذه من التقدمِ بخالص الشكر وعميقِ الامتنان لدولة ليبيا الشقيقة، على استضافتِها الكريمة لاجتماعِنا الوزاري هذا، وعلى حفاوة الاستقبال وكرمِ ضيافتها. التئامُنا اليوم، في هذه المدينة العريقة، له دلالةٌ عميقة، فليبيا الشقيقة بلدٌ ارتبط اسمه بإعلانِ سرت، إحدى المحطاتِ الأساسيةِ في بلورةِ الموقف الإفريقي المشترك من إصلاح مجلسِ الأمن.

 

كما أتوجَّهُ بالشكر والتقدير إلى جمهورية سيراليون، بصفتِها منسقَ لجنةِ العشرة، على جهودِها المتواصلة دفاعاً عن الموقفِ الإفريقي المشترك بشأن المطالبِ بإنصاف قارتِنا والاستجابةِ لتطلعاتِها إلى تمثيلٍ أحسنَ في مجلس الأمن.

 

نجتمعُ اليوم في ظرفٍ دوليٍ دقيق، يتواجدُ فيه النظامُ الدولي متعددُ الأطراف أمام اختبارِ قدرتِه على مواجهة التحديات وإيجادِ حلولٍ للأزمات واستعادةِ الثقة في قدرةِ المؤسسات على الاستجابة للتحديات القائمة.

 

وفي هذا السياق، لم يعدْ إصلاحُ مجلسِ الأمن مسألةً تفاوضيةً عادية، بل أصبح مسألةَ عدالة ومسألةَ شرعية ومسألةَ مصداقيةٍ للنظام الدولي.

 

لقد كانت معظمُ دولِ القارة، سنة 1945، تَرْزَحُ تحت نَيْرِ الاستعمار، ولم يكن لإفريقيا صوتٌ يُسْمَعُ عند إنشاءِ النظام الدولي الذي أُقيمتْ بُنْيَتُهُ الأساسيةُ آنذاك. لكنَّها، منذُ الموجةِ التحررية التي قادتْ مُعظمَ دولِها للاستقلال، تحمَّلتْ جانباً كبيراً من تبعاتِه، ودفعتْ أثماناً باهظةً للنزاعات والأزمات.

 

لقد تغيَّرَ العالم. ولقد تغيَّرتْ موازينُ القوى، وتغيَّرتْ الخريطةُ السياسية، وبرزت دولٌ ومجموعاتٌ إقليميةٌ جديدة، وتوسَّعتْ عضويةُ الأممِ المتحدةِ بصورةٍ جوهرية. أما بُنيَةُ مجلس الأمن، فلم تُواكبْ بالقدرِ الكافي هذا التحوُلَ الشامل.

 

فمن غيرِ المقبول، ومن غيرِ المعقول، ومن غيرِ المُجدي، أن تظلَّ إفريقيا، محدودة التمثيل بالنسبة للمقاعدِ غيرِ الدائمة، غائبةً عن العضويةِ الدائمة في مجلس الأمن.

 

ومن هنا، فإنَّ السؤالَ الذي نطرحُهُ اليوم هو:  كيف يُمْكِنُ لنظامٍ دوليٍّ يَدَّعِي الشمول والشرعية والفاعلية أن يظلَّ، بعد أزيدِ من ثمانينَ سنة، يَفْتَقِرُ إلى تمثيلٍ دائمٍ ولائقٍ  بإفريقيا وهي القارةُ التي تُشكِّل أكبرَ كتلةٍ إقليمية في الجمعيةِ العامة للأممِ المتحدة؟

 

إن إفريقيا تَطلُبُ، بكل أحقيةٍ ومشروعية، تصحيحَ الظلمِ التاريخي الواقعِ عليها ذلك أنَّ التاريخَ لا يمكنُ أن يكونَ حجَّةً لتجميدِ الحاضر. وتَطلُبُ إفريقيا أن تتحوَّلَ المشاركةُ الإفريقية في منظومةِ الأمنِ الجماعي من مشاركةٍ في تحمُّلِ التبعات إلى مشاركةٍ كاملةٍ في صناعةِ القرار. وتَطلُبُ إفريقيا أن تُعامَلَ على قدمِ المساواة مع غيرِها من التكتلات والقارات.

 

ومن هذا المُنطلق، اسمحوا لي أن أتقاسَمَ معكم، ما نراهُ ضرورياً للحفاظ على مصالحِ قارتِنا، ولتماسكِ الموقفِ الإفريقي أمام الاختبارات المقبلة والتحدياتِ التي نحن مُقْبِلون على مواجهتِها:

أولاً: تُرحِّبُ الجزائر باعتماد الاتحاد الإفريقي للنموذجِ الإفريقي لإصلاحِ مجلسِ الأمن، وتقديمُه من قبل مجموعةِ لجنة العشرة خلال المفاوضات الحكومية الدولية، باعتبارِهِ تجسيداً للموقف الذي توحَّدَتْ حَوْلَهُ دولُنا. وفي الوقتِ ذاتِه، تؤكِّدُ الجزائر على أنَّ إعدادَ نموذجٍ موحدٍ لا يعني تلقائياً الانتقالَ إلى مفاوضاتٍ نصية، وأنَّهُ لا تزالُ هناكَ مسائلُ جوهرية يتعيَّنُ معالجتُها في إطار المجموعاتِ الخمس بصورةٍ متوازنةٍ وشاملة.

 

لكنَّ الرسالة التي ينبغي أن نؤكِّدَها اليوم هي أنَّ انفتاحَ إفريقيا على التفاوض لا يعني تخلِّيها عن موقِفِها. وانفتاحُ إفريقيا لا يعني أنَّ موقِفَها سيكونُ محلُّ تفاوض قد ينالُ من مشروعيتِه ويفرِغَه من مقاصده.

 

ثانياً: إنَّ وِحدتَنا هي مصدرُ قوتِنا. لذا علينا أن نَدخُلَ هذا الحوارَ مُتَّحِدين، ونفاوضَ ككُتلةٍ واحدة، ونَتمسَّكَ بالثوابت التي اتَّفَقْنا عليها. فالوحدةُ الإفريقية ليستْ مجرَّدَ شعارٍ دبلوماسي. وكُلَّما اقتربْنا من مرحلةٍ أكثرَ حساسية في المفاوضات، ازدادتْ حاجتُنا إلى هذه الوحدة، لا إلى التباعد أو تَعدُّد المواقف. كُلَّما اتَّسَعَ النقاش، وجب أن تتعززَ وحدتنا. وكُلَّما تعددت النماذج، وَجَبَ أن تكون مرجعيتُنا أكثرَ وضوحاً وأكثرَ صرامة وأكثر تماسكاً.

 

ثالثاً: إنَّ الجزائر ترى أنَّ المرحلةَ المقبلة ينبغي أن تكونَ مرحلةَ عملٍ سياسي مُكَثَّف. علينا أنْ نوسعَ دائرةَ الدعم لمطلبِ إفريقيا، وأنْ نتواصلَ مع شركائنا، وأنْ نشرحَ بوضوح أنَّ إنصافَ إفريقيا لا يَنْتَقِصُ من مكانةِ أحد، بل يُعزِّزُ شرعيةَ مجلس الأمن ومصداقيتَه. كما نُؤكِّدُ تَمسُّكَنا بالمسارِ الأممي للمفاوضات الحكومية الدولية، باعتبارِه الإطارَ الشرعي والوحيد الذي ينبغي أن يلتئمَ فيه الجميع حول إصلاحٍ شاملٍ ومتوازنٍ لمجلس الأمن.

 

ومن هنا، فإنَّنا نرى أنَّ أي انخراطٍ في التفاوض، عندما يحينُ أوانُه، ينبغي أن يستندَ إلى ثلاثةِ مبادئَ واضحة:

 

أولُ هذه المبادئ: أن يكونَ هذا الانخراط ثَمرةَ توافقٍ حقيقي بين الدولِ الأعضاء بشأنِ العناصرِ الجوهرية للإصلاح.

 

وثاني هذه المبادئ: أن يحافظَ ذات الانخراطِ على شموليةِ المسارِ التفاوضي، وألا يؤدِّيَ إلى استبعادِ أيٍّ من مجموعاتِ القضايا الخمس أو تأجيلِها أو وضعِها جانباً

.

وثالث هذه المبادئ: أن يعكسَ نفْسُ الانخراط بصورةٍ كاملةٍ وأمينةٍ الموقف الإفريقي المشترك، بما في ذلك المعاملةَ الخاصَّة لإفريقيا، والمقاعدَ الدائمةَ وغيرَ الدائمةِ التي يُطالِبُ بها الموقفُ القاري، وجميعَ الامتيازاتِ المرتبطةَ بها.

 

ختاماً، مثلما أكَّدَه «ميثاق المستقبل»، تُؤمنُ الجزائرُ إيماناً راسخاً أنَّ معالجةَ الظلمِ التاريخيِّ الواقعَ على إفريقيا يجبُ أن تكونَ أولويَّةً في إصلاح مجلس الأمن. لقد انتظرتْ إفريقيا طويلاً. وحان الوقتُ لكي تنتقلَ إرادةُ الإصلاح من مرحلةِ الاعترافِ السياسي إلى مرحلةِ الفعلِ المُطّبَّقِ والمُجسَّد. وحان الوقتُ لكي تكونَ إفريقيا حاضرةً فاعلةً في مركزِ صناعةِ القرار الدولي. وحان الوقتُ لتتمتَّعَ إفريقيا بمقاعدَ أكثرَ في مجلس الأمن. وحان الوقت ليكونَ لإفريقيا حقُّ النقض.

 

هذا هو حقُّ إفريقيا.

وهو، في الوقت ذاته، مصلحةٌ للنظامِ الدولي بأسرِه.

 

وشكراً لكم على حسن الإصغاء.

جميع الحقوق محفوظة - وزارة الشؤون الخارجية و الجالية الوطنية بالخارج - 2023